الأثر للاستشارات
احجز مكالمة تشخيص مجانية اعرف درجة جاهزية منشأتك
القطاع غير الربحي

استثمار أموال الجمعيات: الاحتياطي التشغيلي، وإدارة الفائض، والوقف

حين يُذكر استثمار أموال الجمعيات، يتجه التفكير مباشرة إلى العائد: أين نضع المال ليربح أكثر؟ لكن الاستدامة المالية تبدأ قبل ذلك بخطوتين: أن تعرف أيّ أموالك يجوز استثمارها أصلاً، وأن تحمي برامجك من أي تأخر في التمويل باحتياطي كافٍ. والجمعية التي تستثمر قبل أن تبني احتياطيها قد تضطر إلى تسييل استثماراتها بخسارة في أول أزمة سيولة.

تناولنا في مقال سابق خمسة مصادر دخل غير المنح، أي كيف يدخل المال إلى الجمعية. وهذا المقال عن الوجه الآخر: كيف تدير الجمعية ما لديها حتى يدوم.

أولاً: اعرف تكلفتك الحقيقية

كثير من الجمعيات تحسب تكلفة البرنامج بما يُصرف عليه مباشرة، وتنسى نصيبه من الإيجار والرواتب الإدارية والأنظمة والمراجعة. والنتيجة أنها تقبل منحاً لا تغطي تكلفتها الكاملة، فيتآكل رصيدها مع كل برنامج جديد دون أن تنتبه.

ما تفعله: احسب التكلفة الكاملة لكل برنامج بعد توزيع المصاريف غير المباشرة عليه، واجعل هذه التكلفة أساس أي مقترح تمويل. فالمانح الذي يعرف التكلفة الحقيقية يفضّل أن يموّل برنامجاً بتكلفته الواقعية على أن يرى برنامجاً يتعثر في منتصفه.

ثانياً: افصل أموالك قبل أن تفكر في استثمارها

ليست كل الأموال في حساب الجمعية ملكاً حراً لها. وقبل أي حديث عن الاستثمار، صنّف أرصدتك إلى أربع فئات:

  • الزكاة: لها مصارف شرعية محددة، والأصل إيصالها إلى مستحقيها لا استثمارها.
  • التبرعات والمنح المقيدة: ملتزمة بالغرض والمدة اللذين حددهما المانح، ولا تُستخدم في غيرهما.
  • الأوقاف: أصلها يبقى، ويُصرف ريعها في مصارف الوقف المحددة.
  • الأموال غير المقيدة: وهي وحدها التي تُبنى منها الاحتياطيات، ويُستثمر فائضها.

هذا الفصل ليس محاسبياً فقط، بل هو أساس الثقة. فالجمعية التي تخلط بين هذه الفئات تعرّض نفسها لمخالفة نظامية وشرعية، وتفقد ثقة الداعم حين يكتشف أن تبرعه المقيد صُرف في غير غرضه.

ثالثاً: ابنِ الاحتياطي التشغيلي قبل أي استثمار

الاحتياطي التشغيلي رصيد من الأموال غير المقيدة يكفي لتغطية المصروفات الأساسية عدة أشهر إن تأخر التمويل أو انقطع. وهو الفرق بين جمعية تتجاوز تأخر منحة كبيرة بهدوء، وجمعية تؤجل رواتب موظفيها وتوقف برامجها.

كم يكفي؟ الحد الأدنى الشائع في أدبيات القطاع غير الربحي ثلاثة أشهر من المصروفات، أي ربع الميزانية السنوية تقريباً. وقد تحتاج إلى ستة أشهر إن كان دخلك يعتمد على مصدر واحد، أو كان تحصيله موسمياً كتبرعات رمضان.

مثال افتراضي: جمعية مصروفاتها التشغيلية السنوية 2.4 مليون ريال، أي 200 ألف شهرياً. احتياطي ثلاثة أشهر يعني 600 ألف ريال من الأموال غير المقيدة. فإن كان لديها 400 ألف فقط، فأولويتها إكمال الاحتياطي، لا البحث عن فرصة استثمارية.

سياسة الاحتياطي وثيقة قصيرة يعتمدها مجلس الإدارة، تحدد ثلاثة أمور: الحجم المستهدف للاحتياطي، والحالات التي يجوز فيها السحب منه ومن يعتمد ذلك، وخطة إعادة بنائه بعد السحب خلال مدة محددة.

رابعاً: قسّم السيولة على ثلاث طبقات

بعد اكتمال الاحتياطي، يصبح لدى الجمعية فائض قابل للاستثمار. والطريقة الأسلم أن تُقسَّم الأموال بحسب موعد الحاجة إليها، لا بحسب العائد المتوقع منها:

  1. سيولة التشغيل (من صفر إلى ثلاثة أشهر): في الحساب الجاري، متاحة فوراً للصرف على البرامج والرواتب. لا تُستثمر.
  2. الاحتياطي (من ثلاثة إلى اثني عشر شهراً): في أدوات قصيرة الأجل ومنخفضة المخاطر ومتوافقة مع الشريعة، كالودائع الاستثمارية القائمة على المرابحة أو صناديق أسواق النقد. الهدف حفظ القيمة مع عائد معقول وسهولة التسييل، مع مراعاة شروط الكسر المبكر للودائع.
  3. الفائض طويل الأجل (ثلاث سنوات فأكثر): يمكن توجيهه إلى أدوات متوسطة وطويلة الأجل، كالصكوك وصناديق الاستثمار المتوافقة مع الشريعة، أو أصول مدرّة للدخل. وكلما طالت المدة، أمكن تحمّل تذبذب أكبر في القيمة.

والقاعدة في الطبقات الثلاث أن تتعامل الجمعية مع جهات مرخصة من البنك المركزي السعودي أو هيئة السوق المالية، وأن تتجنب أي فرصة تعد بعائد مرتفع ومضمون، فهذا الوعد بذاته علامة تحذير.

خامساً: سياسة استثمار مكتوبة وحوكمة واضحة

لا تُدار أموال الجمعية بقرار فردي أو بعلاقة شخصية مع مدير محفظة. ويحتاج الاستثمار إلى سياسة مكتوبة تعتمدها الجهة المختصة بحسب اللائحة الأساسية للجمعية، وتشمل:

  • الأهداف: حفظ رأس المال أولاً، ثم تحقيق عائد يدعم البرامج.
  • الأدوات المسموحة والممنوعة: مع اشتراط التوافق مع الشريعة، ومنع المضاربة والأدوات عالية المخاطر.
  • حدود التركّز: سقف لكل أداة ولكل جهة، حتى لا يرتبط مصير الجمعية بمصير استثمار واحد.
  • الصلاحيات: من يقترح، ومن يعتمد، ومن ينفذ. ويَحسُن تشكيل لجنة استثمار تضم عضواً ذا خبرة مالية.
  • تعارض المصالح: منع استثمار أموال الجمعية في جهات يرتبط بها أعضاء المجلس أو الإدارة، إلا بإفصاح وموافقة وفق الأنظمة.
  • التقارير: تقرير ربعي لمجلس الإدارة عن أداء الاستثمارات ومخاطرها، ومراجعة سنوية للسياسة نفسها.

سادساً: الوقف، مصدر دخل طويل الأمد

الوقف من أقوى الأدوات التي تحوّل المال من دخل يُنفق مرة واحدة إلى مصدر طويل الأمد. فبدل أن تُنفق الجمعية تبرعاً كبيراً في سنة واحدة، تخصص جزءاً منه وقفاً، إن كان التبرع غير مقيد أو بموافقة المتبرع، يُستثمر أصله ويُصرف ريعه على برامجها عاماً بعد عام.

ومن الممارسات الجيدة في إدارة الأوقاف أن تُحدد نسبة صرف ثابتة من قيمة الوقف سنوياً، بما لا يخالف شرط الواقف، بدل صرف كل ما تحقق من عائد. فيُعاد استثمار الباقي، ليحافظ الوقف قدر الإمكان على قيمته الحقيقية أمام التضخم. ومن الأدوات المتاحة في المملكة صناديق الاستثمار الوقفية المرخصة من هيئة السوق المالية، وهي تتيح للجمعية وقفاً تديره جهة متخصصة دون أن تبني هي إدارة استثمار داخلية. وما يتعلق بالأوقاف من توثيق ونظارة يُراجع مع الهيئة العامة للأوقاف والجهات العدلية المختصة.

لوحة مؤشرات الإدارة المالية

خمسة مؤشرات يراجعها مجلس الإدارة كل ربع سنة، وتعطيه صورة أدق من إجمالي الإيرادات:

  • أشهر الاحتياطي: الأموال غير المقيدة المتاحة مقسومة على المصروف الشهري.
  • نسبة المصدر الأكبر: حصة أكبر داعم من إجمالي الدخل، كما شرحنا في مقال تنويع الدخل.
  • تغطية التكلفة الكاملة: هل تغطي المنح التكلفة الكاملة للبرامج أم يُدعم الفرق من الاحتياطي؟
  • نسبة الدخل الذاتي: ما يأتي من الأوقاف والاستثمارات والأنشطة المدرة للدخل.
  • أداء الاستثمارات مقابل المستهدف: العائد والمخاطر مقارنة بما حددته سياسة الاستثمار.

أخطاء شائعة

  • استثمار أموال مقيدة أو زكاة على أنها فائض.
  • الاستثمار قبل بناء الاحتياطي، ثم التسييل بخسارة عند أول أزمة.
  • وضع الفائض كله في أصل واحد يصعب تسييله، كعقار واحد.
  • ملاحقة العائد المرتفع مع جهات غير مرخصة.
  • قرارات استثمار بلا سياسة مكتوبة ولا تقارير دورية للمجلس.

من أين تبدأ

ابدأ بخطوتين لا تحتاجان أي استثمار: صنّف أرصدتك الحالية إلى الفئات الأربع، واحسب عدد أشهر الاحتياطي المتاح لديك اليوم. هاتان الخطوتان وحدهما تكشفان إن كانت جمعيتك في موقع يسمح بالاستثمار، أو أن الأولوية لبناء الاحتياطي وضبط تكلفة البرامج.

هذا المقال إرشاد إداري عام، وليس توصية استثمارية. والقرارات الاستثمارية تُتخذ بعد مراجعة الضوابط النظامية والشرعية السارية، وبالتعامل مع جهات مرخصة.

نساعد الجمعيات في بناء سياسات الاحتياطي والاستثمار وخطط الاستدامة المالية ضمن استشارات القطاع غير الربحي، ونقيس أثر برامجها بمنهجية العائد الاجتماعي على الاستثمار لتوجيه الموارد إلى البرامج الأعلى أثراً.

أسئلة شائعة

نعم، ضمن ما يسمح به نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ولائحته التنفيذية واللائحة الأساسية للجمعية، وبموافقة الجهة المختصة فيها، وتشترط سياسات الاستثمار المعتمدة عادةً أن يكون الاستثمار منخفض المخاطر ومتوافقاً مع أحكام الشريعة. راجع الضوابط السارية لدى الجهة المشرفة قبل اعتماد أي سياسة.
الحد الأدنى الشائع في أدبيات القطاع غير الربحي ثلاثة أشهر من المصروفات التشغيلية، أي ربع الميزانية السنوية تقريباً. والجمعية التي يتركز دخلها في مصدر واحد أو يتأخر تحصيلها تحتاج أكثر من ذلك، قد يصل إلى ستة أشهر.
الأصل لا. فأموال الزكاة لها أحكام شرعية تقتضي إيصالها إلى مستحقيها، والتبرع المقيد ملتزم بالغرض الذي حدده المتبرع. ما يُستثمر هو الفائض غير المقيد فقط، وأي استثناء يحتاج رأياً شرعياً ونظامياً موثقاً.

اقرأ أيضاً

الخدمة المرتبطة بهذا الموضوع

تريد تطبيق هذا على منشأتك؟

احجز مكالمة مدتها 30 دقيقة، واشرح لنا وضعك، وتخرج بثلاث توصيات قابلة للتنفيذ من اليوم.

مكالمة تشخيص مجانية مدتها 30 دقيقة، تخرج منها بثلاث توصيات قابلة للتنفيذ. احجز الآن